الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

22

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

استخدام هذين التعليمين ، وبدل أن يستفيد من نعمة اللباس والغذاء الصحيح بالشكل المعقول والمعتدل ، يسلك سبيل الإسراف والتبذير والبذخ ، لهذا أضاف مباشرة قائلا : ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين . وكلمة " الإسراف " كلمة جامعة جدا بحيث تشمل كل إفراط في الكم والكيف ، وكذا الأعمال العابثة والإتلاف وما شابه ذلك ، وهذا هو أسلوب القرآن خاصة ، فهو عند الحث على الاستفادة من مواهب الحياة والطبيعة يحذر فورا من سوء استخدامها ، ويوصي برعاية الاعتدال . وفي الآية اللاحقة يعمد إلى الرد - بلهجة أكثر حدة - على من يظن أن تحريم أنواع الزينة والتزين والاجتناب من الأطعمة الطيبة الحلال علامة الزهد ، وسببا للتقرب إلى الله فيقول : أيها النبي قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ؟ إذا كانت هذه الأمور قبيحة فإن الله تعالى لا يخلق القبيح ، وإذا خلقها الله ليتمتع بها عباده فكيف يمكن أن يحرمها ؟ وهل يمكن أن يكون هناك تناقض بين جهاز الخلق ، وبين التعاليم الدينية ؟ ! ثم أضاف للتأكيد : قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة أي أن هذه النعم والمواهب قد خلقت للمؤمنين في هذه الحياة ، وإن كان الآخرون - أيضا - يستفيدون منها رغم عدم صلاحيتهم لذلك ، ولكن في يوم القيامة حيث الحياة الأعلى والأفضل ، وحيث يتميز الخبيث عن الطيب ، فإن هذه المواهب والنعم ستوضع تحت تصرف المؤمنين الصالحين فقط ، ويحرم منها الآخرون حرمانا كليا . وعلى هذا الأساس فإن ما هو للمؤمنين في الدنيا والآخرة ، وخاص بهم في العالم الآخر كيف يمكن أن يحرم عليهم ؟ إن الحرام هو ما يورث مفسدة ، لا ما هو نعمة وموهبة .